ابن حزم
593
الاحكام
الأرض ، فصح أنه لا معنى لتبدل الزمان ، ولا لتبدل المكان ، ولا لتغير الأحوال ، وأن ما ثبت فهو ثابت أبدا في كل زمان وفي كل مكان ، وعلى كل حال ، حتى يأتي نص ينقله عن حكمه في زمان آخر ، أو مكان آخر ، أو حال أخرى . وكذلك إن جاء نص بوجوب حكم في زمان ما ، أو في مكان ، أو في حال ما وبين لنا ذلك في النص ، وجب ألا يتعدى النص . فلا يلزم ذلك الحكم حينئذ في غير ذلك الزمان ، ولا في غير ذلك المكان ولا في غير تلك الحال قال تعالى : * ( ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) * وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يدر كم صلى ، أن يصلي حتى يكون على يقين من التمام ، وعلى شك من الزيادة ، لأنه على يقين من أنه لم يصل ما لزمه ، فعليه أن يصليه وهذا هو نص قولنا . وأما إذا تبدل الاسم فقد تبدل الحكم بلا شك ، كالخمر يتخلل أو يخلل لأنه إنما حرمت الخمر ، والخل ليس خمرا ، وكالعذرة تصير ترابا ، فقد سقط حكمها ، وكلبن الخنزير والحمر والميتات يأكلها الدجاج ويرتضعه الجدي ، فقد بطل التحريم إذا انتقل اسم الميتة واللبن والخمر ، ومن حرم ما لا يقع عليه الاسم الذي به جاء التحريم ، فلا فرق ، بينه وبين من أحل بعض ما وقع عليه الاسم الذي به جاء التحريم ، وكلاهما متعد لحدود الله تعالى : * ( ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) * وهذا حكم جامع لكل ما اختلف فيه ، فمن التزمه فقد فاز ومن خالفه فقد هلك وأهلك ، وبالله تعالى التوفيق . وكل احتياط أدى إلى الزيادة في الدين ما لم يأذن به الله تعالى ، أو إلى النقص منه أو إلى تبديل شئ منه - فليس احتياطا ، ولا هو خيرا ، بل هو هلكة وضلال وشرع لم يأذن به الله تعالى والاحتياط كله لزوم القرآن والسنة . وأما العقود والعهود والشروط والوعد ، فإن أصل الاختلاف فيها على قولين لا يخرج الحق عن أحدهما : وما عداهما فتخليط ومناقضات لا يستقر لقائلها قول على حقيقة ، فأحد القولين المذكورين : إما أنها كلها لازم حق إلا ما أبطله منها نص . والثاني : أنها كلها باطل غير لازم إلا ما أوجبه منها نص ، أما ما أباحه منها نص ، فكان من حجة من قال : إنها كلها حق لازم إلا ما أبطله منها نص ، أن قال : قال الله عز وجل :